فكر

لبناء منهج نقدي علمي . سيف سالم

 

هناك خطورة في اتباع منهج نقدي محدد، فإن التزام المنهجية في النقد الادبي يؤدي الى نوع من الميكانيكية في عمل الناقد.أي ان الناقد الملتزم نهجا معينا لا بد ان يُخضع كل عمل فني ادبي ينقده الى مقاييس ثابتة جامدة يرسمها له المنهج الذي يلتزمه، بحيث يقول في هذا العمل الادبي ما يقوله في ذاك، بصور من التكرار الآلي الرّتيب فيتجمد النقد بذلك، وتتجمد شخصية الناقد وتتعطل عنده حساسية التذوق الجمالي ، وعندئذ تنشلّ حركة النقد الوظيفية وتنتفي من الفائدة والغاية.

علينا أن نعي ان مثل هذه الخطورة نابع من فهم خاطئ للمنهجية. فأول ما ينبغي ان يكون واضحا من امر المنهجية النقدية انها لا تستحق هذه الصفة، اذا هي قامت على اسس او على مقاييس ثابتة ثبوت جمود او تحجّر. وانما تستحقها أي صفة المنهجية حين تكون الاسس والمقاييس هذه ثابتة من حيث الجوهر، متحركة متطورة متجددة متنوعة من حيث التطبيق ومراعاة الخصائص الذاتية القائمة في كل خلق بخصوصه، الى جانب الخصائص العامة المكتسبة من قوانين الحركة الشاملة المرافقة لكل عمل ادبي ذي قيمة فنية ما.
من هنا يحتاج الناقد الادبي المنهجي الى توفّر الحساسية الذاتية القادرة على اكتشاف القيم الخاصة في كل أثر ادبي بذاته وبخصوصيته. وهذا يعني كما هو واضح أن المنهجية النقدية لا تقتصر على عدم انكار القيم الخاصة في العمل الادبي، بل هي ترى ضرورة وجود هذه القيم ما دامت الشخصية الانسانية ذاتها وبوجه عام متنوعة الخصائص متعددة الجوانب، بقدر تنوع الشخصيات وتعددها، ومن باب أولى ان يكون هذا التنوع والتعدد في ذات الاديب الفنان الخلاق، ولذلك ترى المنهجية النقدية ان كل عمل ادبي لا بد ان يحتوي نوعا من التجربة التي لا تتكرر عند فنان وفنان آخر، بل لا تتكرر حتى في عملين صادرين عن فنان واحد.
علينا أن نعي أنه لابد محاربة النقد التأثري لانه يفقد النقد وظيفته الأساسية كليا.

فوظيفة النقد هي تثقيف القارئ باعانته على تفهم الاعمال الادبية وكشف المغلق من مضامينها وادخاله الى مواطن اسرارها الجمالية، وارهاف ذوقه وحسه الجمالي، واغناء وجدانه ووعيه بالقدرة على استبطان التجارب والافكار والدلالات الاجتماعية والمواقف الانسانية التي يقفها الشاعر او الكاتب، خلال العمل الفني تجاه قضايا عصره او وطنه او مجتمعه، وبالمستوى نفسه هذا يستطيع النقد الموضوعي المنهجي ان يؤدي وظيفة بتبصير الكاتب او الشاعر بالقيم الحقيقية التي يحتويها عمله او يفتقدها ليكون على بيّنة مما يصنع ويخلق، او ليكون اكثر وعيا لما في موهبته وادواته ومواقفه من ممكنات او من نواقص او من اتجاهات سديدة او منحرفة، ذلك كله يعني ان النقد الموضوعي المنهجي يقوم بوظيفة مزدوجة تؤدي هي بدورها الى تطوير حركة النقد وحركة الادب وحركة الثقافة الوطنية جميعا.
تلك مهمة ثقيلة الاعباء ولكنها تمنح الناقد منزلة الانسان النافع في حقل المعرفة الجمالية الرفيعة.

اظهر المزيد

سيف سالم

كاتب صحفي تونسي وناشط بالمجتمع العربي ، عضو في عدة هيئات عربية كمؤسسة غسان كنفاني ، وعضو مؤسس في عدة جمعيات ثقافية كمنتدى جلال الدين الرومي للثقافة . *رئيس تحرير صحيفة المسيرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *