مقالات سياسية

ثورة فبراير بعد سبع سنوات.بقلم نور الدين الثلثي

نورالدين السيد الثلثي

ما زالت انتفاضة فبراير 2011 قريبة العهد منا، وما زلنا نعيش تفاعلاتِها وآثارَها المباشرة. التاريخ، عندما يُكتب، سيروي خفاياها وأدوار الدول والجماعات والأفراد في انبثاقها ومسارها وموقعها في سياق ما عُرف بالربيع العربي وغزو العراق السابق له. ولكن بالاستطاعة السّرد والملاحظة في حدود ما عشناه والقليل الذي نعرفه، أو نعرف عنه.

في البدء كانت المملكة

يوم أُعلِـنت المملكة الليبية المتحدة دولةً اتحادية مستقلة، في 24 ديسمبر 1951، كانت أفقرَ بلدان أفريقيا، وبتعداد سكانٍ يقلّ عن مليون نسمة. وكانت إيطاليا قد تركت وراءها واقعاً تعليمياً بائساً بلغت فيه نسبة الأمية ما بين 90 و95%. اعتمدت الدولة الوليدة في إيراداتها على المساعدات المالية الأجنبية حتى اكتشاف النفط وبدء تصديره عام 1961. ورغم ضعف الإمكانيات، حققت جهود بناء مؤسسات الدولة نجاحاً كبيراً، وتحققت معها قفزةٌ كبيرة في مجال التعليم على وجه الخصوص. ومع بداية تصدير النفط، شرعت الدولة في وضع وتنفيذ خططٍ تنمويةٍ في مجالات البنية التحتية والإسكان والإنشاءات التعليمية. دخلت البلاد مرحلة بناء دولةٍ حديثة وبدأ جيلٌ من الشباب تولّي مسؤوليات إدارتها.

سبتمبر

تحوّل نظام الحكم بعد سبتمبر 1969 من نظامٍ ملكيٍّ أبوِي إلى جمهوريةٍ فجماهيريةٍ استبدادية. واستمرّت عملية التنمية، وتصاعدت وتيرتها بعد الارتفاع القياسي لأسعار النفط في الفترة اللاحقة لحرب أكتوبر. ولكنها أصيبت بانتكاسة كبيرة بمصادرة الأملاك العقارية، و’الزحف‘ على الشركات، وتولِّي مؤسساتٍ حكومية نشاطاتٍ تجاريةً وصناعيةً وخدميةً واسعة، ما أدّى إلى إلغاء دور القطاع الخاص في عملية التنمية، واختفاء المنافسة، وما لحِـق ذلك من كبتٍ لروح المبادرة والابتكار، وإثقالٍ لكاهل الدولة بأعدادٍ ضخمة من الموظفين؛ يمثلون في معظمهم بطالةً مقنّعة لا أكثر.

وازدادت الأوضاع سوءاً بالتراجعِ الحادِّ في أسعار النفط في النصف الثاني من الثمانينيات وحتى آواخر التسعينيات، ما أدى إلى انخفاضٍ كبير في الإنفاق على البرامج التنموية، وتدهورٍ في الخدمات، وعجزٍ عن تلبية الطلب المتزايد على السكن والمرافق، وظهورِ مشاكلَ اقتصاديةٍ واجتماعية كبرى؛ مثّلت، لاحقاً، عائقاً حقيقياً أمام إعادة إطلاق برامج التنمية، إذ لم تتوفر المقوّمات اللازمة لها من بنيةٍ تحتية وتنظيمٍ مؤسّسيٍّ قادرٍ وقوةٍ بشرية مدرَّبة.

أُسقِطت القوانين وكانت الفوضى السّمةَ البارزةَ للحياة العامة، وإن كانت في حقيقتها مضبوطةً بشكلٍ صارم. قُـيِّدت الحرّيات، ولُوحق المعارضون، وكانت التصفية نصيبَ الكثيرين منهم.

وفي علاقاتها الخارجية، دعَمت ليبيا حركاتِ التحرّر، وأطلقت حملاتٍ عسكرية، ودعمت منظماتٍ تعتبرها الدول المتضرّرة منها منظماتٍ إرهابية، وتضاربت سياساتها مع مصالح دولٍ غربية، وهدّدت أمن دولٍ في المنطقة. كان لها أصدقاء، ولكن الأعداء كانوا كُـثُرا.

كان في سجلّ النظام ما يُنذر بحتمية نهايةٍ غيرِ بعيدة. لم يكن وارداً، بعد أربعة عقود من الثورة، الانتقالُ بالبلاد إلى نظام حكمٍ يكون فيه الشعبُ حقيقةً مصدرَ السلطات؛ والقانونُ مرجِعاً وحَكَماً، يتساوى أمامه المواطنون من دون تمييز، وتخضع له المؤسسات كافة. ولم تكن هذه كلَّ الحكاية، فقد ظهرت تطوراتٌ تقنية كبرى؛ من بينها البث الفضائي المباشر وشبكة المعلومات الدولية، الإنترنت. سقطت أسوارُ العُزلة الإعلامية والرقابةُ على الكلمة، والحواجزُ المُقامة أمام التواصل بين الناس ومع العالم. انتهى عصر حجْب المعلومات وحظْر تبادلها بين المواطنين وعبر الحدود.

في مواجهة المخاطر

توجّه النظام إلى عقد تفاهماتٍ مع التنظيمات الإسلامية المعارِضة؛ كان أبرز ما تمّ في سياقها حوارُه مع الجماعة الليبية المقاتلة و’مراجعاتُها‘ ونبذُها لاستخدام السلاح وسيلةً للتغيير السياسي، سنة 2009. وتمّ الإفراج عن مسجونين منها ومن غيرها من التنظيمات الإسلامية بغية اندماجهم في الحياة المدنية. وبدا هذا النهج التصالحي واضحاً في انسحاب جماعة الإخوان المسلمين من مؤتمر المعارضة الليبية الأول في لندن سنة 2005، معترضةً على دعوته لتنحّي معمّر القذافي عن السلطة وتشكيل حكومة انتقالية. وهكذا ظهرت بدايات مرحلة جديدة، بقيادة الوريث الظاهر للحكم ومساندةِ الإسلام السياسي ’المعتدل‘.

تقدّم النظام بخطواتٍ ملموسة لتخفيف الاحتقان الداخلي، وأطلق برنامجاً تنموياً طَموحاً للسنوات 2008-2012؛ بلغ إجماليُّ تعاقداته مبلغ 147 مليار دينار ليبي، حوالي 110 مليار دولار (مؤتمر حول التنمية، وزارة التخطيط، طرابلس، 19 مارس 2012) كان من شأنه أن يعالج أزمة السكن بدرجة كبيرة، ويرفع مستوى المرافق والتعليم والصحة والكهرباء والطرق والمطارات والموانئ. وقد حامت حول تلك التعاقدات شبهاتُ فسادٍ كبير لم يكن خافياً.

وظهر الغزو الأمريكي البريطاني للعراق كمقدِّمةٍ لمشروعٍ أمريكي يشمل المنطقة برمّتها. ’الشرق الأوسط الجديد‘ يتخلّق، تتقدّمه ’فوضى خلّاقة‘ لا تُبقي ولا تذر. هكذا كانت النُّذُر. سرّع النظام الليبي خطواتِ تطبيع العلاقات مع الغرب، فأقفل ملفاتٍ شائكة أبرزها ملفّا لوكربي والشرطية البريطانية فلتشر، وتخلّى عن برنامجه النووي، وسلّم أسلحته الكيماوية؛ واستعادت ليبيا علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا وأمريكا، وتخلّصت من العقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي.

لم تكن تلك التحولات نحو تخفيف الاحتقان السياسي والاجتماعي كافيةً، وجاءت متأخرة. كان لها في شِقّها السياسي معارضون من داخل النظام نفسه، ولم تكن التفاهمات مع التنظيمات الإسلامية من الصلابة بحيث تصمد بوجه الهزّة القادمة.

عاصفة الربيع واليوم الفاصل

هبّت عاصفة ما سُـمِّي بالربيع العربي، ولم تكن ليبيا لتفلت منها وقد بدأ التمهيد بالدعوة، عبر المواقع ووسائط التواصل، إلى انطلاقها يوم 17 فبراير 2011، رغم قدرٍ غيرِ ضئيلٍ من الشك بأن الشعب الليبي سينهض أخيراً في وجه الاستبداد والفساد وتدنّي أحواله المعيشية. انطلقت المظاهرات في بنغازي وسرعان ما تحولت من المطالبة بالإصلاح إلى مطالبةٍ بإسقاط النظام. واجه النظام تلك الانتفاضة بالتهدئة في أوّل الأمر، ولكنه ما لبث، بعد خروج شرق البلاد بأكمله عن السيطرة، أن هدّد باكتساح مدينة بنغازي وكلّ الشرق الليبي، وأرسل رتلاً جرّاراً تقدّمه وعيدٌ بأن الحملة ستكون كاسحةً. كان ذلك خطئاً فادحاً، أدّى إلى تحوّلٍ مِفصليٍّ في تطوّر الأحداث؛ كان سبباً – أو ذريعةً – لتدخلٍ عسكري أطلسي حاسمٍ في إسقاط نظام معمر القذافي، ومن ثَـمّ تدميرِ الدولة ونهْبِ ثرواتها، وفرضِ الهيمنة الأجنبية إلى هذا اليوم.

من يومياتي ليوم 19 مارس 2011:

“التاسعة صباحاً… فتح بابَ منزله فزِعاً، ليخبرني: ’إنهم يقصفون شارع جمال عبد الناصر ببنغازي.‘ بعد ذلك بدقائق أسمع أصوات الأبواق تقذف بأناشيد الولاء للقذافي… قفلت عائداً إلى منزلي. وجدت النساء يتابعن أخبار بنغازي ويبكين. لا وسيلة للاطمئنان فالهواتف لا تزال مقطوعة… وعند المغرب أعلنت فرنسا أنها قد قصفت أربع دبابات على مدخل بنغازي.”

وتواصلت الحملة العسكرية الأطلسية لأكثر من ثمانية أشهر. كان الترحيب بالتدخل العسكري الأجنبي واسعاً، طمعاً في التخلص من نظامٍ طال انتظار رحيله. ولكن التدخّل ما كان ليقف عند رغبة الليبيين. الدول لها مصالحُ تشكّل سياساتها، وهي لا تفرّط في الفرص المواتية لتحقيقها. حماية المدنيين لم تكن سوى ذريعة؛ والديموقراطية، الهدف المتداول من بعد، لا تقوم أبداً بغير أيدي أهل البلاد أنفسهم.

حصاد سبع سنين

سقط النظام. احتفظت كتائب الثوار بسلاحها، وأصبحت ذاتَ نفوذٍ وسطوة، فـ “الثوار لا يسلّمون سلاحهم” كان شيخ قطر قد أعلن من باريس! وأمسك الإسلام السياسي ’المعتدل‘ بمفاصل الدولة. ولم تكن الدول الأجنبية بعيدةً عن المنظومة الجديدة تمويلاً وتسليحاً ودعماً سياسياً. انهار البناء المؤسّسي للدولة، وتعدّدت الحكومات والهيئات التشريعية، وتدهورت الخدمات. وفي ظلِّ الإفلات من المحاسبة والعقاب، عمّ الفساد، وقُتل أبرياء، وهُجِّرت مدنٌ وقبائل، وظهر الإرهاب. انفرط عِقد الدولة ونُهِبت خزائنها، وأُقيمت قواعد أجنبية، وتهتّك نسيج المجتمع.

أصبحت حياة الناس ومستقبل الوطن رهناً بصراعٍ على الثروة والسلطة؛ أدواتُه المغالَبة، والإقصاء، واستغلال الدين، واستخدام السلاح، والارتباطات الأجنبية، والتنكّر للوطن والناس. والنتيجة أمامنا في المقابر والشوارع، وفي كلّ بيتٍ ومدينة، وفي انهيار الدولة.

مواقف الدول من محنة الليبيين والخروج منها – أو البقاء في قبضتها – تحدّدها مصالحُ الدول والفرصُ التي تنفتح أمامها لتحقيقها؛ أما صلاح رأس النظام أو فساده فأمرٌ يخصّ الليبيين وحدهم. ولكن الانفصام المتجذّر بين الشعب والنظام أدّى إلى توهّم أن الأجنبيَّ يمكن أن يخوض حرباً لإزاحة حاكمٍ من أجل حرية المحكوم. قامت دول الأطلسي بحملتها، ولم يكن معمر القذافي ونظامه من منظورها سوى جزء من صورة الدولة الليبية، ومن الصورة الأكبر لمنطقتنا العربية والمصالح المتشعّبة فيها. وهكذا أتى متسلطون جدُد ليسوا أفضل من أسلافهم؛ ظفروا بدعم الأجنبي ليكونوا في خدمته مقابل نصيبٍ من الغنيمة، وليضيع الوطن في دوّامة ’توافقٍ وطني‘ مصطنعٍ بين أطراف منظومة حُكمٍ ضعيفٍ مُسيَّـرٍ.

الفارق شاسعٌ بين الأوائل صانعي الاستقلال وأغلب الطّافِـين على السطح في أيامنا؛ بين الوطنية من جانبٍ، والانتهازية والارتهان للأجنبي.

وسيبقى الأمل حيّـاً، “أمّا الزَّبَدُ فيَذْهَبُ جُفاءً”.

  • الكاتب العام لوزارة الصناعة والثروة المعدنية سابقاً.

اظهر المزيد

سيف سالم

كاتب صحفي تونسي وناشط بالمجتمع العربي ، عضو في عدة هيئات عربية كمؤسسة غسان كنفاني ، وعضو مؤسس في عدة جمعيات ثقافية كمنتدى جلال الدين الرومي للثقافة . *رئيس تحرير صحيفة المسيرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *