مقالات سياسية

تونس بحاجة الى ثورة أخرى.بقلم نادية الزائر

تونس بحاجة الى ثورة أخرى

بقلم الصحفية ومدربة التنمية البشرية نادية الزائر

جلنا لا يعجبنا أغلب المسؤولين الذين يتولون حكومتنا كل مرة لأنهم لا يفعلون أبدا ما يقولون، ولا يقومون سوى بحماية مصالحهم الخاصة… إلا من رحم ربي…
جلنا نكره الخذلان الذين يجرعوننا إياه كل مرة فننتقد ونحتج على عدم تقدمنا خطوة للأمام، ولكنني مؤخرا بدأت تراودني أسئلة مختلفة جعلتني أدرك أن الخلل أعمق من ذلك بكثير على وأهمها لماذا القادمون يشبهون دائما الذين سبقوهم؟ حتى أنهم يقومون بالتصرفات ذاتها، المحاباة والوساطات لخدمتهم هم ومحيطهم العائلي…ترى لماذا يتشابهون كلهم الى هذه الدرجة؟ وهل سنضل نولي علينا من نفس هذه العينة ؟…
ولماذا تعاني تونس من آفة السرقة منذ عقود، بدءا من كبار حكامها ورجال أعمالها وموظفيها وصولا الى أصغر منحرفيها؟ …
لماذا بلادنا ليست نظيفة رغم كل حملات التوعية؟ والكل يلوم البلدية والحكومة والمواطن ولا يتغير شيئا ؟ ولماذا اعلامنا يهوى طرح المشاكل والأزمات أكثر من ايجاد الحلول أو زرع الأمل في ايجادها ؟

في العمق…

لا شك وأنكم تتساءلون الآن وما دخل الحكومة بالفضلات العشوائية بالإعلام فأجيبكم بكل بساطة، جلها متشابهة…وأشرح ذلك بمثال حي من الواقع:
إن سألت أي مواطن عادي ماذا ستفعل إن توليت الحكم سيقول لك بكل اندفاع وعفوية أولا سأقضي على هؤلاء … ثم سأرخص في كذا …وإن تأملت في كلامه ستجد أنه يتحدث بكل بساطته عن رغباته وقناعاته هو أي أنه تماما يحمل العقلية ذاتها التي يحملها ذلك السياسي أو المثقف أو الاعلامي الذي ينتقده …ليس فقط لأن كل منهم يغني على ليلاه ولا أحد يغني على وطنه … بل لأنها عقلية “الأنا” الطاغية على الوعي الجمعي في تونس، الوعي الجمعي الذي به كثير من الخور يتجاوز مجرد الأنانية وحب الذات وتقديم المصلحة الخاصة على كل شيء اخر، وفقدان مبدأ العطاء اللامشروط الذي يعود على المعطي نفسه بالوفرة والخير الكثير، بل لان الوعي الجمعي أضحى يعاني من أمراض عصر أخرى على غرار انعدام الثقة في النفس وفي الاخر، وانتشار السلبية والسوداوية التي لا تفكر سوى في المشاكل والصعوبات، في حين أن بلادنا رغم كل ما تعرضت له ما تزال أما معطاء مباركة لمن يبرها ويرعاها، ويرى الجمال الكامن في صمودها والطيبة الخفية وراء قسوتها، فمن ينظر لها على هذا النحو سيفتخر بها من دون أن يشعر حتى وإن يعاني فيها وسيبذل جهدا من أجلها بدءا من المحافظة على نظافتها وجمالها وصولا الى جعلها فخورة بإنجازات أبنائها الأبرار ووصولهم الى القمة رغم كل الصعوبات…

لماذا ما عاد مجتمعنا يفرز قادة ولا زعماء ؟

أجل إنه نفس المعلم” الذي نضرب به المثل بقولنا بالعامية “لكلهم قراو عند نفس المدب” والآن خمنوا معي من هو هذا المعلم الذي ينتج لنا دائما سياسيين على نفس الشاكلة، واعلاميين يكادون يتحدثون لغة واحدة، ومواطنين يرددون ما يسمعونه من الاعلام ومن غيرهم وكأنها الحقيقة المطلقة …
انه” الوعي الجمعي”… الذي كان أشد متانة وأصالة قديما وكان مبنيا على قيم وأسس عظمى لذلك أفرز مجتمعنا سابقا زعماء مثل فرحات حشاد وعلي بن غذاهم وعلماء وشيوخ لمعت أسماؤهم عبر التاريخ ، فهل كانت ظروف هؤلأء سهلة ؟ألم يعانوا الفقر والحرمان في وطنهم؟ بلى ولكنهم قرروا محاولة التغيير تحركوا لإحداث التغيير ولم يكتفوا بالتذمر، كانوا يشحذون همم الناس في سبيل نهضة وطنهم مسلحين بوعي يتجاوز مجرد الانحصار مع الذات…
ابحثوا في تاريخ نهوض الشعوب جميعها وستجدون أن القادة الحقيقيين يصنعون قصص كفاحهم ونجاحهم من رحم المعاناة والأمثلة على ذلك لا حصر لها…
لذلك ما تحتاج اليه تونس الان هو” ثورة وعي” تشمل مختلف الفئات بدءا من اعلى هرم السلطة وصولا الى عامة الشعب…

لماذا تغيرنا ؟…

كثيرة هي الأسباب وراء تأخر مستوى وعينا الجماعي أولها تخلينا عن المرجع العلمي والانساني والحياتي الأول ألا وهو القرآن الكريم ففيه كل ما يجعل منا أفضل على جميع الاصعدة أكثر سعادة أكثر نجاحا ، فكل الأسرار العلمية والكونية التي توصل لها المفكرون وعلماء التنمية البشرية والعلوم الانسانية في العالم لجعل الانسان أكثر سعادة وانجازا، موجودة في القرآن منذ آلاف العصور ألا أن بعض القراءات السطحية للدين الذي يقتصر على الأمر والنهي هي التي جعلت أغلب الناس يهابون الاقتراب منه ويظنون انه يمكنهم ايجاد السلام الداخلي بعيدا …
أما السبب الثاني فهو جزء من مخططات الصهاينة منذ عقود طويلة وهو اختراق الشعوب العربية وتشويه موروثنا الثقافي والفكري وتعويضه بمعتقدات وأفكار مسممة، تزرع تدريجيا في لا وعي المواطن بدءا من الناشئة وتزعزع داخله اغلب القيم والثوابت التي يمكن أن تجعل منه إنسانا ذا أثر مثل: من يكون؟ ماهي هويته؟ ما هي قدراته اللامتناهية؟ ماهي مهمته في هذه الحياة؟
أما السبب الثالث والذي قد يبدو للبعض بسيطا لكنه مهم جدا فهو الموروث الشعبي من الاقوال المأثورة السلبية التي زرعت تدريجيا قيم أخرى في المجتمع، تغيرت كثيرا عن قيم مجتمعنا قديما حين كان يعم الخير والبركة بفضل رقي الناس وجمال خلقهم، فكيف لمجتمع يربي أطفاله جيلا بعد جيل على ” أخطى راسي وأضرب” أن يفرز سياسيين يضعون وطنهم قبل مصلحتهم الخاصة ؟ وكيف لمجتمع تربى على ” اللي تلمو النمالة في عام يهزو الفيل في عفسة ” أو “اللي يسرق يغلب اللي يحاحي” أن لا تكثر فيه السرقة والنهب منذ سنين …

الامل فيكم قبل أبنائكم …

أجل الامل فيكم يا من تقرأون هذه الكلمات أو لم تقرأوها بعد، ولكنكم تدركون تماما أنه من خلال وعيكم بكل ذلك، سوف تتمكنون حينها من تغيير سلوكياتكم ، وستصبح تصرفاتكم انعكاسا لرقي وعي وتحظر حقيقي وحينها تصبحون بالفعل قدوة حسنة لأبنائكم، وتكونوا بذلك قد قدمتم لوطنكم ولأنفسكم أجيالا تدرك القوة الكامنة داخل كل منا، حين تتخلى فقط عن التحجج بحال البلاد و ظروف المعيشة الصعبة، ويركز كل منا فقط على ما يمكن فعله ليكون انسانا أفضل، سيكتشف حينها اين تكمن قوته، ماهي موهبته، وكيف يمكنه استثمارها، سيكتشف حينها أن الظروف من حولنا لا تصنعنا بل تكشف من نكون حقيقة : هل نحن أقوياء فعلا أم ضعفاء، فاعلون في هذه الحياة أو نفضل الهروب والاختباء وراء الاعذار ولعب دور المفعول به …صادقون مع انفسنا أم نهرب من مراتنا بانتقاد غيرنا…
والى أن تجيبوا أنفسكم على هذه الأسئلة أترككم على أمل اللقاء بكم مستقبلا في مقال آخر لنرتقي بوعينا ….

اظهر المزيد

سيف سالم

كاتب صحفي تونسي وناشط بالمجتمع العربي ، عضو في عدة هيئات عربية كمؤسسة غسان كنفاني ، وعضو مؤسس في عدة جمعيات ثقافية كمنتدى جلال الدين الرومي للثقافة . *رئيس تحرير صحيفة المسيرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *