الاخبارتحاليلسياسة

تونس في ظلّ سياسة “التحيّل بالصّدمة” وسياقاتها د. مصباح الشيباني

نتيجة غياب قوانين المساءلة والشّفافية ومؤسّساتها بدأت الحياة في تونس تتجه نحو الانحدار نحو العدمية بكل أشكالها المادية والبشرية والرّمزية والثقافية. وأخطر ما انحدرت إليه الأوضاع، في ظل فشل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في تحقيق التغيير السّياسي، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، عاد “عنف الدكتاتورية”في تونس، وأصبح “صاحب القوّة” السياسية والمادية في بلادنا هو “صاحب الحق”. فمن سمات الدكتاتورية أنّها لا تقبل الاعتراضات أو صرخات المظلومين، ولا تقبل الانصات إلا إلى أصحاب هتافات التأييد والطّاعة والولاء. لذلك، ليس غريبا أن تتّسع الفجوة بين المثال والواقع، وأن يتعمّق الفصل بين النّصوص القانونية المكتوبة وبين مقتضيات السّياسية الفعلية لتلك النّصوص مثلما وقع أخيرا، في المهزلة المتعلقة بالخصم ظلما وتحيّلا وبمنطق السّطو والصّدمة، على مرتبات الموظفين العموميين 1%

من زيادة كانت متخلدّة على ذمة الدّولة ضمن ميزانية السّنة الماضية. فهذه القضية لها أبعاد خطيرة ذات مستويات قانونية وسياسية وإدارية وأخلاقية ينبغي التصدي لها قبل فوات الأوان.
ولمعرفة مضمون هذه السّياسة في “التحيّل بالصّدمة” وأسبابها، ينبغي علينا فهم السّياق الذي ارتفع فيه منسوب هذه السياسة. فقد زادت عملياتها عبر تفكيك مؤسّسات الدّولة وسطوة السّوق، وذلك ضمن سياسات الخوصصة وبدعم من مؤسسات النّهب العالمية. فعندما نفهم هذا السّياق يمكن أن نعرف تدفقات معاني سياسة التحيّل في الاقتصاد (قانون المالية وسياسة التقشف) والاجتماع ( أزمة الصناديق الاجتماعية) والسياسة ( قانون الانتخابات والتوافق بين الأضداد) وسقوطها جميعها في منطق “السّلعنة” من أجل معاودة إنتاج نظام الهيمنة والاستعباد.
ومن أخطر المسائل التي تساعدنا على تفكيك شفرات هذه السياسة التحيليّة في حق الشّعب هي سياق تضخّم منسوب الفساد الذي صاحب تمتع الرأسمالية الخائنة والمتوحشة في تونس والمسؤولين الحكوميين “حكومة العرائس المتحرّكة” (نعوم تشومسكي)؛ حكومة رجال البنوك ورجال الأعمال والسّماسرة في كل أنواع التجارات بالعربدة وفرض املاءاتها على الشّعب في تعارض تام مع القوانين والمواثيق الدولية والاتفاقيات ومختلف “الاستراتيجيات الوطنية” الوهمية . فالحقوق في ظلّ سياسة هذه الحكومة لا يتمتع بها إلا من ينخرط في قانون لعبة المناولة والولاء لها، وحسب الدور الذي يؤديه في هذا النّظام، أما الآدميون من عامة الناس وموظفو الدّولة غير الرّاضين عن هذا الوضع وما يتعرضون له من سلب للحقوق واضطهاد وعنف وتهميش سياسي واجتماعي واستغلال اقتصادي وإذلال مادي ومعنوي فليس من اهتمامها.
ومن مظاهر ثقافة التحيّل بالقوة القانونية أحيانا، وبالمباغتة والمراوغة أحيانا أخرى، في النظام الدكتاتوري هو العمل بكل الوسائل على “تضليل الحشود” وفق منطق المقاربة السيكولوجية، لإخضاع الرأي العام وكمّ الأفواه المعارضة واستئصال أصحابها، وكذلك استئجار (عبر المناولة في الانتهازية) جيوشا من المنافقين والانتهازيين، ومن مراكز السّلطة على اختلاف مستوياتها الفوقية والتحتية ( الوزارات المجلس التّشريعي والإعلام والشركات..) من أجل تأييدها وتوجيه الرأي العام عبر مختلف مجالات “السّوْقنة” لسياساتها وحماية مصالحها، في مقابل ذلك العمل على شيطنة أي شخص أو جهة أو حزب يقف في طريقها أو يعارضها.
فعندما تكون المؤسّسات السياسية في الدّولة صلبة ـ بالمعنى المادي وليس القانوني ــ ولكنهّا معدومة الصلاحية (الفاعلية)، فإنّ الضّغط السّياسي المدعوم بمختلف هذه الفعاليات وآثاره سوف تأخذ منحى العنف والعنف المضاد الجماعيين. وهذا الشّكل من “العنف المديني” (la violence urbaine)هو ظاهرة تتجلى في التجمعات والمدن الكبرى وبالأخص في الأحياء المهمّشة فيها، لاسيما تلك التي تعاني من نسبة بطالة مرتفعة، ويكون أبطالها الرئيسيين الشبان الذين تتوفر فيهم الاستعدادات ليمارسوا مختلف أشكال العنف ضد النّظام العام.
هناك أشياء كثيرة “جديدة” وخطيرة حدثت ومازالت ستحدث في تونس، وإن كان لأغلبها سوابق وأسباب قديمة ومهمة منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ولكنّها باتت تحدث بمعدلات مذهلة بعد 2010 مثل: سياسات التحيّل ( العنفي والناعم) وعدم احترام الحكومة للاتفاقيات مع الأطراف الاجتماعية وعدم جديتها في القضاء على الفساد وغيرها. ولعلّ أخطر هذه التحولات أنه كانت مؤسّسات الدّولة منذ “الاستقلال” هي الممثّلة الوحيدة للمواطنين والحامية للمصالح العامة، لكن اليوم حلّت محلها الشّركات متعدّدة الجنسيات والمؤسسات المالية والبنوك الدولية، فأصبحت هذه الشركات والبنوك هي المتحكمة في هيكلية الدّولة وسيادتها، بل قفزت فوق أسوارها التشريعية والمؤسّساتية، ففقدت بذلك مقامها ودورها في عملية الضّبط المجتمعي، بل تحوّلت إلى هيكل شكلي لا تتحكّم في سياساتها المالية والاجتماعية والاقتصادية، وأصبحت مسألة التنمية مجرد مضغة في الأفواه الإعلامية الدّاعمة لها، أو في وتقاريرها التسويقية للحصول على القروض والهبات الخارجية.
هذه الدولة التي مازال البعض يعتقد أنّها تمتلك كل هياكلها الرّسمية ومظاهرها الخارجية (الجغرافية والمادية والبشرية) ، فإنّ وظيفتها (مسؤوليتها) تكاد تنحصر فيما يطلق عليه بـسياسة “الاخلاء والتّسليم” المعتمدة خاصة في قاموس الحرب، أي سحب يدها من كل ما كانت تمارس سلطاتها عليه وتسليمه إلى الشّركات العالمية والمؤسّسات المالية الدولية والرأسمالية المحلية التي تعمل تحت إمرتها مقابل امتيازات لعملائها. هذه “الدّولة الرّخو” على حد تعبير ” جنار ميردال” (Gunnar Myrdel) هي الدولة التي تتجاهل مؤسساتها وتخترق قوانينها، وتغلب مصالح أفرادها الخ

اظهر المزيد

حسونة زينوبي

المدير التقني للموقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *